تكثّف دولة الإمارات العربية المتحدة، بالشراكة مع جمهورية السنغال، الاستعدادات لاستضافة "مؤتمر الأمم المتحدة للمياه 2026"، بما يمثله من محطة مهمة تتجاوز الرؤية التقليدية لاستضافة المؤتمرات الدولية، لتجسد انتقالاً استراتيجياً نحو قيادة "الدبلوماسية المائية" وهندسة الحلول المستدامة على الساحة العالمية، إذ يتمحور المؤتمر حول تسريع تطبيق الهدف رقم 6 من أهداف التنمية، الذي يؤكد توفّر المياه والصرف الصحي للجميع وإدارتها بشكل مستدام. ويكتسب مؤتمر عام 2026 أهمية خاصة لكونه ينعقد في أعقاب مؤتمر الأمم المتحدة للمياه لعام 2023، ويسبق مؤتمر الأمم المتحدة للمياه لعام 2028 المقرر عقده في دوشانبي - طاجيكستان، والذي سيمثل ختام "عقد العمل من أجل المياه 2018-2028".
أدركت الإمارات، بحكم موقعها في إحدى أكثر مناطق العالم جفافاً، أن الأمن المائي يشكّل حجر زاوية في أي توجّه تنموي واقتصادي. إلا أن الإمارات، تحت قيادة صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، "حفظه الله"، تميّزت بتحولها الجذري من مجرد تبني الحلول المحلية المتطورة، كإنشاء أضخم محطات التحلية المعتمدة على تقنية التناضح العكسي والطاقة النظيفة، إلى تصدير هذه الابتكارات وتحفيز التعاون الدولي.
وفي هذا المجال، تبقى دولة الإمارات منفتحة على إرساء الشراكات العالمية في الاستثمارات والمبادرات ذات الصلة بالمياه، بما يشمل المجالات المتعلقة بالمرونة المائية، والابتكار، والإدارة المستدامة للمياه، والتمويل، والحلول العملية التي من شأنها المساهمة في دعم مخرجات مؤتمر الأمم المتحدة للمياه لعام 2026. وقد خاضت الإمارات والسنغال محادثات استشارية شاملة مع الدول الأعضاء والشركاء للتأكد من أن المؤتمر يعكس الأولويات الدولية، التحديات المستجدة، والفرص العملية لتحقيق الهدف 6 من أهداف التنمية.
هذا الدور الرائد الذي حرصت القيادة الإماراتية الرشيدة على بلورته وتحقيقه، ليس مستحدثاً، بل امتداد طبيعي للزخم الذي أحدثته الدولة خلال رئاستها لمؤتمر المناخ (COP28)، حيث نجحت بامتياز في وضع ملف المياه في صلب مفاوضات المناخ، وأطلقت مبادرات عالمية وازنة، أبرزها "مبادرة محمد بن زايد للماء"، التي تهدف إلى معالجة أزمة الشح المائي العالمي عبر توظيف الابتكار، والتكنولوجيا، وعقد الشراكات الاستراتيجية، وتطوير حلول قابلة للتوسع والتطبيق. ويبرز ذلك من خلال مسابقة "إكس برايز لندرة المياه"، وهي تحدٍ عالمي يمتد لخمس سنوات.
بالنسبة لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، حيث العدد الأكبر من الدول التي تعاني من الإجهاد المائي المطلق، يحمل مؤتمر الأمم المتحدة للمياه دلالات بالغة الأهمية. فالإمارات، عبر هذا الحدث العالمي، توفر منصة حيوية لرفع الصوت الإقليمي ونقل التحديات المحلية إلى المستوى الدولي في صناعة القرار. في هذا السياق، يتيح المؤتمر فرصة لجذب الاستثمارات التكنولوجية وتوطينها، وتعزيز التعاون العابر للحدود في إدارة الموارد المائية الحيوية، وبما يخدم استقرار المنطقة وازدهارها الاقتصادي والتنموي.
إن إصرار القيادة الإماراتية على استضافة هذا الحدث، والتحضير له على أعلى مستوى، على رغم كل التطورات الإقليمية، بكل ما يعنيه ذلك من تسخير الإمكانات، يكرّس الثقل الدبلوماسي والاقتصادي والتقني لأبوظبي في إطار إعادة صياغة آليات الحوكمة العالمية للمياه، وأهمية توجيه التمويل نحو البنى التحتية الأكثر استدامة، تلبية لمسعى الانتقال بالمجتمع الدولي من مرحلة إطلاق التحذيرات، إلى مرحلة التنفيذ الفعلي لحلول قابلة للتطبيق، سواء عبر دمج الذكاء الاصطناعي في إدارة الشبكات المائية، أو ابتكار آليات تمويل جديدة تدعم الدول النامية.
في المحصلة، لا تستضيف الإمارات مجرد حدث أممي، بل تدير حواراً عالمياً من أجل البقاء والنماء. مؤتمر 2026 سيكون بمثابة البوصلة التي تحدد مسار العالم نحو تأمين المورد الأغلى على الكوكب، مؤكداً أن الإمارات لم تعد تكتفي باستشراف المستقبل، بل تشارك بفاعلية وثقة في رسم ملامحه المائية، لضمان استدامة الحياة والتنمية للأجيال القادمة.