تربط دولة الإمارات العربية المتحدة وجمهورية الفلبين علاقات صداقة قوية منذ تأسيس علاقاتهما الدبلوماسية في 19 أغسطس 1974، وقد شهدت هذه العلاقات تطورًا متناميًا في مختلف المجالات، توّجت بافتتاح سفارة جمهورية الفلبين في أبو ظبي عام 1980، ثم افتتاح سفارة دولة الإمارات في مانيلا عام 1989. تعززت الشراكة الثنائية من خلال تبادل الزيارات الرسمية رفيعة المستوى وتوقيع عدد من الاتفاقيات ومذكرات التفاهم في مجالات الاستثمار والتجارة والتنمية والعمالة والطيران. كما تحتضن دولة الإمارات واحدة من أكبر الجاليات الفلبينية في منطقة الشرق الأوسط، حيث يسهم أبناء الجالية بدور مهم في مختلف القطاعات الاقتصادية والتنموية، الأمر الذي يعكس عمق الروابط الإنسانية بين الشعبين الصديقين. وفي عام 2024 احتفل البلدان بمرور خمسين (50)عاماً على إقامة العلاقات الدبلوماسية.
أسهم قطاع الطيران في تعزيز العلاقات بين البلدين من خلال تسيير رحلات مباشرة إلى وجهات جديدة خارج العاصمة مانيلا، مما فتح آفاقًا واسعة أمام قطاعات الاستثمار والتجارة والسياحة في مناطق أخرى من الفلبين، كما ازدادت عدد الرحلات الجوية الأسبوعية بين البلدين ، و التي تُسيِّرها ناقلات وطنية مثل طيران الإمارات والاتحاد للطيران إلى جانب الخطوط الجوية الفلبينية وسيبو باسيفيك.
ولا تقتصر العلاقات بين البلدين على الشراكات الاقتصادية والتجارية؛ إذ تُشكّل المساعدات الإنمائية والإنسانية ركيزةً أساسية في السياسة الخارجية لدولة الإمارات تجاه الفلبين، وتجلّى ذلك في دعم جهود مكافحة الفقر وإغاثة ضحايا الكوارث الطبيعية، ومن أبرز هذه الجهود؛ إعادة تأهيل المناطق المتضررة جراء إعصار يولاندا في عام 2013، وإعادة بناء 18 مدرسة، وتقديم المعدات الصحية لمستشفى مقاطعة سَمَر وبناء مركز صحي ومسجد فيها.
وخلال عامَي 2021 و2022، قدّمت الدولة 50 جهاز فحص لكوفيد-19 مع مجموعات الاختبار، و100 ألف جرعة من اللقاحات، و7 أطنان من الإمدادات الطبية، وكانت أيضًا أول دولة ترسل مساعدات لمتضرري ثوران بركان مايون في مقاطعة ألباي بـ51 طنًا من الإمدادات الغذائية وذلك في يونيو 2023. كما قدّمت الدولة في فبراير 2024 مساعدات إغاثية بقيمة 100 ألف دولار لضحايا فيضانات مينداناو، وقدّمت عبر وكالة الإمارات للمساعدات الدولية مساعدات عاجلة لقرابة 40 ألف أسرة متضررة من زلزال جزيرة سيبو وذلك في أكتوبر 2025، بالإضافة إلى تقديم المساعدة لأكثر من 20 ألف أسرة لإغاثة المتأثرين من الزلزال الذي ضرب قبالة سواحل جنوب جمهورية الفلبين بقوة 7.8 درجة في يونيو 2026.
وعلى مدى السنوات الماضية، نفّذت الدولة برامج وأنشطة خيرية شملت توزيع الغذاء والملابس وتقديم الرعاية الصحية وتنفيذ مشاريع البنية التحتية، إلى جانب برامج ثقافية وتعليمية، كقوافل مؤسسة نور دبي الجراحية لمكافحة العمى، كما تموّل جمعية الهلال الأحمر الإماراتي ومؤسسة زايد للأعمال الخيرية مآدب إفطار يومية في رمضان، وتوزيع الملابس والمواد الغذائية ولحوم الأضاحي في الأعياد.[MA1.1]
وعلى صعيد العلاقات الثنائية، انعقدت أول جولة للمشاورات السياسية بين البلدين في 9 يناير 2017، وجرى التوقيع على اتفاقية إنشاء لجنة تعاون مشتركة، توِّجت بتوقيع أربع اتفاقيات عمالية في 18 سبتمبر 2017 تضمّنت: مذكرة التفاهم للتعاون في مجال العمل، واتفاقية الاعتراف بالعمالة الماهرة، واتفاقية العمالة في الخدمة المنزلية، واتفاقية الإشراف على تبادل القوى العاملة. وتلت ذلك جولة ثانية في أبو ظبي عام 2018 وثالثة في مانيلا عام 2020، ترأس الوفد الفلبيني فيهما معالي إنريكي مانالو وزير الخارجية السابق، وكان آنذاك وكيلًا لوزارة الخارجية للسياسات.
وفي 2021 جرى التوقيع على مذكرة تفاهم لإنشاء لجنة للشؤون القنصلية وانعقدت أولى اجتماعاتها، وفي 2022 وُقِّعت ثلاث اتفاقيات شملت حماية وتشجيع الاستثمار والتعاون الزراعي والتعاون الفضائي بين وكالتَي الفضاء الإماراتية والفلبينية. وفي 2023، تم توقيع مذكرات إضافية في مجالات تغير المناخ والبنية التحتية الرقمية ، و على هامش القمة العالمية للحكومات في فبراير 2025، بحضور السيدة الأولى لويز أرانيتا ماركوس، تم توقيع مذكرة تفاهم لإحياء نهر باسيج في مانيلا تحت إشراف مؤسسة إرث زايد الإنساني، وأعلنت مؤسسة الأنهار النظيفة التزام الدولة بتقديم ما يصل إلى 20 مليون دولار لدعم مبادرات تحسين نوعية حياة المجتمعات المعتمدة على النهر وتعزيز حلول الاقتصاد الدائري لمنع تسرب النفايات، كما تم توقيع مذكّرة تفاهم في مجال الثقافة بين وزارة الثقافة بالدولة و اللجنة الوطنية للثقافة والفنون لدى جمهورية الفلبين بحضور السيدة الأولى ، بالإضافة إلى ثلاث اتفاقيات تعاون شملت تسليم المجرمين، ونقل المحكوم عليهم، وتقديم المساعدة في المسائل الجنائية في ضوء تعزيز التعاون في المجالات القضائية بين البلدين.
و في 13 يناير 2026، على هامش أسبوع أبو ظبي للاستدامة شهد صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، "حفظه الله"، وفخامة فرديناند ماركوس رئيس جمهورية الفلبين، توقيع اتفاقية الشراكة الاقتصادية الشاملة بين دولة الإمارات والفلبين، والتي تهدف إلى الارتقاء بالعلاقات التجارية والاستثمارية.
ويحتل التغير المناخي والطاقة المتجددة مكانة بارزة في العلاقات بين البلدين؛ إذ تدعم دولة الإمارات الجهود الفلبينية في هذا الملف، لا سيما أن الفلبين تُعدّ من أكثر دول العالم تضررًا من تغير المناخ، فيما دعمت الفلبين رئاسة دولة الإمارات لمؤتمر الأطراف COP28، و لا سيما (اتفاق الإمارات) الذي أسهم في تعزيز العمل المناخي العالمي. ومن المتوقع أن يشهد هذا الملف مزيدًا من التعاون في المرحلة المقبلة.
وفي إطار الزخم الذي أطلقته رئاسة دولة الإمارات لمؤتمر الأطراف COP28، أسهمت الدولة في التفعيل التاريخي لصندوق الاستجابة للخسائر والأضرار، والتزمت بمساهمة قدرها 100 مليون دولار أمريكي، كما استضافت أبوظبي الاجتماع الافتتاحي لمجلس الصندوق. ويشكّل اختيار جمهورية الفلبين دولةً مضيفةً لمجلس الصندوق فرصة إضافية لتعزيز التعاون الثنائي في مجالات تمويل المناخ والتكيف والمرونة المناخية والاستجابة للخسائر والأضرار، لا سيما في ضوء تعرّض الفلبين المرتفع لتداعيات تغير المناخ.
شهدت العلاقات الاقتصادية بين البلدين توسعًا كبيرًا خلال السنوات الأخيرة، شاملةً مجالات التجارة والاستثمار والطاقة المتجددة والتمويل والبنية التحتية والخدمات اللوجستية والبنية التحتية الرقمية، وتُعد الإمارات الشريك التجاري الأكبر للفلبين والمستثمر الأول بين دول مجلس التعاون الخليجي، حيث دخلت العلاقات الثنائية مرحلة جديدة عقب توقيع اتفاقية الشراكة الاقتصادية الشاملة في يناير 2026، وهي أول اتفاقية تجارة حرة للفلبين مع دولة في الشرق الأوسط، ومن المتوقع أن تُسهم في خفض الرسوم الجمركية وتوسيع وصول السلع والخدمات وزيادة تدفقات الاستثمار وتعزيز سلاسل الإمداد في قطاعات عدة، فضلًا عن قوانين وتشريعات لدعم الشركات الصغيرة والمتوسطة والتنمية والتعاون المستدام.
وعلى صعيد قطاع الطاقة المتجددة، تشهد الشراكة بين البلدين زخماً متزايداً، حيث وقّعت شركة "مصدر" في يناير 2025 اتفاقية تنفيذ مع وزارة الطاقة في الفلبين لتطوير مشاريع في مجالات الطاقة الشمسية وطاقة الرياح وأنظمة تخزين الطاقة، بقدرة إنتاجية تصل إلى 1 جيجاوات بحلول عام 2030، مع خطط للتوسع إلى 10 جيجاوات بحلول عام 2035، باستثمارات تقدر بنحو15 مليار دولار، وفي مجال البنية التحتية الرقمية، وقّع البلدان في نوفمبر 2023 مذكرة تفاهم لتطوير مراكز بيانات بقدرة 500 ميغاواط، وتواصل شركات إماراتية عدة سعيها للاستثمار في هذا القطاع المرتبط بالذكاء الاصطناعي، أما في الخدمات اللوجستية، فوسّعت موانئ دبي العالمية حضورها عبر تطوير ميناء مانيلا الجنوبي وتحديث ميناء باتانغاس الدولي وتطوير محطة تانزا في محافظة كافيتي.
وامتدت الاستثمارات الإماراتية لتشمل قطاعات أخرى؛ ففي أكتوبر 2025 وقّعت مجموعة "إن إم دي سي" اتفاقية استثمار في أعمال استصلاح الأراضي في خليج مانيلا، وفي العام ذاته أبرمت شركة "سبينيس" اتفاقًا مع مجموعة أيالا "Ayala Corporation " لإنشاء سلسلة متاجر بقالة فاخرة في الفلبين في أول توسع لها خارج الشرق الأوسط، وفي عام 2026 وقّع المصرفان المركزيان للبلدين مذكرة تفاهم لتعزيز التعاون المالي وتطوير التمويل الإسلامي وتسهيل المدفوعات العابرة للحدود.
ويتنامى حضور القطاع الخاص الفلبيني في السوق الإماراتية مدفوعًا بالموقع الاستراتيجي للإمارات وبنيتها اللوجستية والمالية المتقدمة، ومن المتوقع أن تعزز اتفاقية الشراكة الاقتصادية الشاملة هذا التوجه بفتح فرص جديدة في قطاعات الأغذية والزراعة والرعاية الصحية والخدمات المالية والتقنيات الرقمية. وعلى الصعيد المؤسسي، افتُتح مكتب غرفة دبي في مانيلا في أبريل 2026 لدعم التجارة وربط الأعمال، فيما عزّزت الفلبين ارتباطها بأسواق رأس المال الإقليمية من خلال إدراج أول إصدار صكوك سيادي لها بقيمة مليار دولار في بورصة ناسداك دبي.
تستثمر دولة الإمارات وجمهورية الفلبين في الروابط بين شعبي البلدين الممتدة لعقود والعلاقات الوثيقة بينهما. تساهم الجالية الفلبينية الكبيرة في الإمارات في نشر الثقافة الفلبينية بالدولة من خلال العديد من الفعاليات الثقافية. وتقوم سفارة دولة الإمارات في مانيلا، بتنظيم أنشطة ثقافية بهدف مد جسور التواصل بين شعبي البلدين.
تجلّت الروابط الثقافية بين البلدين خلال مشاركة الفلبين في معرض" إكسبو 2020 دبي"، والتي استقبل جناحها أكثر من مليون زائر، وكان أكبر جناح للفلبين في أي معرض إكسبو.
في العام 2022، استقبل متحف اللوفر أبوظبي، احتفالًا بالذكرى الخامسة لتأسيسه، قطعتَين فنيتَين مميزتَين مُعارتَين من متحف Ayala بالفلبين. لتكون المرة الأولى التي يعرض فيها المتحف قطعًا أثرية فلبينية.
في 26 نوفمبر 2024، تم توقيع مذكرة تفاهم بين وزارة الثقافة في دولة الإمارات واللجنة الوطنية للثقافة والفنون في جمهورية الفلبين، بحضور السيدة الأولى لويز أرانيتا ماركوس، حرم رئيس الفلبين، تتيح مذكرة التفاهم هذه تعزيز التبادل الثقافي في مجالات الأدب والتراث والصناعات الإبداعية، وفتح آفاق جديدة للتعاون بما يخدم الثقافة في البلدين ويسهم في تقوية الروابط بين الشعبين.
في يونيو 2025، استقبل متحف اللوفر بأبوظبي الكنز الثقافي الوطني الفلبيني، اللوحة الزيتية الأيقونية بعنوان "امرأة من بولاكان" للفنان الفلبيني خوان لونا، حضر حفل رفع الستار عن اللوحة، معالي محمد خليفة المبارك، رئيس متحف اللوفر أبوظبي، حيث ستظل اللوحة معروضة في المتحف لمدة عام واحد حتى شهر يونيو 2026، وهو ما يمنح الزوار فرصة فريدة للتعمق في هوية وتاريخ الفلبين والتعبير الفني فيها.
