منذ إنشاء سفارة دولة الإمارات العربية المتحدة في بروكسل عام 1976، دأبت دولة الإمارات العربية المتحدة ومملكة بلجيكا على بناء شراكةٍ قوية وممتدّة، تقوم على أُسسٍ من الاحترام المتبادل، والمصالح المشتركة، والالتزام الجامع بمبادئ العمل المتعدّد الأطراف، وصون السلام، وتحقيق التنمية المستدامة. ويُمثّل ضمان الاستقرار في منطقة الشرق الأوسط، والقارة الأوروبية، والمنطقة الأوسع، مصلحةً مشتركة لكلا البلدين، وركيزةً أساسية من ركائز علاقاتهما الدبلوماسية الراسخة.
ومن هذا المنطلق، اضطلعت دولة الإمارات العربية المتحدة بدورٍ متنامٍ على الساحتَين الإقليمية والعالمية، وأثبتت أنها شريكٌ قوي وموثوق لمملكة بلجيكا في طيفٍ واسع من المجالات الاستراتيجية، تشمل التجارة والاستثمار، والطاقة، والتصنيع المتقدّم، والخدمات اللوجستية، والموانئ، وعلوم الحياة، والبحث الطبي الحيوي، والابتكار، والتعليم، والثقافة، والتعاون الإنساني، والشؤون القضائية.
حوارٌ سياسي منظَّم وانخراطٌ دبلوماسي فاعل
تحرص دولة الإمارات العربية المتحدة ومملكة بلجيكا على الحفاظ على انخراطٍ سياسي ودبلوماسي فاعل على مختلف المستويات، يرتكز على القيم المشتركة، والرؤية الجامعة لعالمٍ أكثر استقراراً وازدهاراً وترابطاً. ويعقد البلدان مشاورات سياسية منتظمة، كان آخرها الجولة الثالثة التي احتضنتها أبوظبي في فبراير 2026. وقد أسهمت هذه الحوارات المنظَّمة في تعزيز التنسيق في القضايا الإقليمية والدولية، بما فيها استقرار منطقة الشرق الأوسط، والأمن الأوروبي، والقرن الأفريقي، وجدّد الجانبان خلالها تأكيد التزامهما المشترك بخفض التصعيد، وحماية المدنيين، واعتماد الحوار سبيلاً مستداماً لتحقيق الاستقرار.
كما أسهمت الزيارات رفيعة المستوى المتبادلة، والتبادلات البرلمانية، والتواصل المستمرّ بين المؤسسات الحكومية، في ترسيخ الأُسس السياسية لهذه الشراكة، فيما يعكس التنسيق الوثيق بين الجانبَين في الأُطر المتعدّدة الأطراف — بما فيها منظمة الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي — التزامًا مشتركًا بصون السلام، ودعم منظومة العمل المتعدّد الأطراف، والتعاون الدولي القائم على القواعد.
شراكةٌ استراتيجية للسنوات المقبلة
تتشارك دولة الإمارات العربية المتحدة ومملكة بلجيكا رؤيةً واحدة نحو عالمٍ أكثر استقرارًا وازدهارًا وترابطًا — رؤيةً تقوم على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة والثقة بقدرة الشراكة على تحقيق نتائج ملموسة لشعوب الجانبين. وتقف العلاقات اليوم على أُسسٍ راسخة، وتتّجه نحو آفاقٍ أرحب في السنوات المقبلة.
وتحرص سفارة دولة الإمارات العربية المتحدة في بروكسل على رعاية هذه الشراكة الحيوية وتطويرها، من خلال العمل عن كثبٍ مع المؤسسات البلجيكية، وقطاع الأعمال، والمجتمعات المحلية، بهدف استكشاف فرصٍ جديدة، والارتقاء بالعلاقات الثنائية إلى آفاقٍ أرحب.
التجارة والاستثمار: شراكةٌ رائدة في منطقة الشرق الأوسط
تُعدّ مملكة بلجيكا من أبرز الشركاء التجاريين لدولة الإمارات في القارة الأوروبية، فيما تتصدّر دولة الإمارات قائمة شركاء بلجيكا التجاريين في منطقة الشرق الأوسط؛ إذ تستأثر بنحو 21 بالمئة من إجمالي التبادل التجاري البلجيكي مع الدول العربية. وقد بلغ حجم التبادل التجاري غير النفطي بين دولة الإمارات والاتحاد الأوروبي 56 مليار دولار أمريكي عام 2022، بنموٍّ بلغت نسبته 9.3 بالمئة مقارنةً بالعام السابق، بما يعكس الديناميكية الأوسع للعلاقات الاقتصادية الإماراتية–الأوروبية التي تحتلّ فيها الشراكة مع بلجيكا موقعًا محوريًا.
ويشمل التبادل التجاري بين دولة الإمارات وبلجيكا قطاعاتٍ متنوّعة، من بينها الماس والمعادن الثمينة، والمواد الكيميائية، والمستحضرات الدوائية، والآلات والمعدّات، والمنتجات الغذائية، والتقنيات المتقدّمة. ويُمثّل ميناء أنتويرب–بروج، أحد أكبر الموانئ الأوروبية وأكثرها أهميةً استراتيجية، وبوابةً رئيسية تربط التدفّقات التجارية والاستثمارية لدولة الإمارات بالسوق الأوروبية وما بعدها.
وتحظى الشركات البلجيكية بحضورٍ قوي ومتنامٍ في السوق الإماراتية في قطاعاتٍ متعدّدة، تشمل الخدمات اللوجستية، والطاقة، والتصنيع المتقدّم، والموانئ، وعلوم الحياة، والمستحضرات الدوائية، وخدمات الجرف والخدمات البحرية، والسلع الفاخرة، والصناعات الزراعية الغذائية، والابتكار، بما يُسهم في دعم الاقتصاد الإماراتي المتنوّع والقائم على المعرفة. وفي المقابل، شهدت الاستثمارات الإماراتية في بلجيكا نمواً ملحوظاً، بمشاركة صناديق الثروة السيادية وفاعلين من القطاع الخاص في قطاعات الخدمات اللوجستية والعقارات والبنية التحتية والطاقة. ويواصل البلدان استكشاف آفاقٍ جديدة للتعاون، ولا سيّما في مجالات الطاقة المتجدّدة، والاستدامة، والأمن الغذائي، والخدمات اللوجستية، والتجارة الرقمية، والتجارة الإلكترونية، والابتكار، بما يعكس تطلّعاتهما المشتركة نحو بناء اقتصادٍ مرنٍ ومستشرف للمستقبل.
التحوّل في قطاع الطاقة والعمل المناخي: من مؤتمر الأطراف COP28 إلى طموحات متجدّدة مشتركة
يبرز التعاون في مجال الطاقة والمناخ بوصفه بُعداً حيويًا في العلاقات الإماراتية–البلجيكية. وتُكمّل الخبرات البلجيكية المتقدّمة في طاقة الرياح البحرية، والبنية التحتية للموانئ، والتقنيات النظيفة، ريادةَ دولة الإمارات في نشر الطاقة المتجدّدة وأجندتها الطموحة للتحوّل في قطاع الطاقة. ويتنامى انخراط الجهات الإماراتية والبلجيكية في مبادراتٍ مشتركة تشمل الطاقة المتجدّدة، والهيدروجين الأخضر، والخدمات اللوجستية المستدامة، بما يُسهم في التحوّل العالمي نحو منظوماتٍ للطاقة أكثر نظافة ومرونة.
وقد شكّلت رئاسة دولة الإمارات التاريخية لـمؤتمر الأطراف COP28 في دبي بديسمبر 2023 — الذي أثمر "اتفاق الإمارات" التاريخي و"الحصيلة العالمية الأولى لتقييم مستوى التقدم في تحقيق أهداف باريس" — محطّةً فارقة في التعاون المناخي الدولي، بمشاركةٍ بلجيكية فاعلة. ويواصل البلدان العمل معًا لتحقيق الأهداف المناخية المشتركة، ودعم تحوّلٍ عادل ومنظَّم وشامل في قطاع الطاقة.
جسور التواصل الشعبي والثقافي
تُعدّ العلاقات بين الشعوب حجرَ الزاوية في الشراكة الإماراتية–البلجيكية. وتحتضن دولة الإمارات جاليةً بلجيكية واسعة ونابضة بالحيوية، تُسهم في قطاعاتٍ متعدّدة تمتدّ من الأعمال والهندسة إلى الثقافة والعلوم والأكاديمية، فيما يتزايد سنويًا عدد الطلبة والمهنيين والزوّار الإماراتيين المتّجهين إلى بلجيكا. ويضطلع التبادل الثقافي — عبر المعارض والمهرجانات والموروث الطهوي ومبادرات التراث المشترك — بدورٍ محوري في تعميق التفاهم المتبادل بين شعبَي البلدين.
التعليم العالي والبحث الطبي الحيوي: شراكةٌ أكاديمية رائدة
يُمثّل التعاون في مجالات التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار أحد أكثر أبعاد الشراكة الإماراتية–البلجيكية ديناميكيةً واستشرافًا للمستقبل، وترتكز هذه الشراكة على تحالفٍ استراتيجي محوري يجمع بين جامعة خليفة للعلوم والتكنولوجيا في أبوظبي، وجامعة لوفن الكاثوليكية (KU Leuven) — إحدى أعرق الجامعات البحثية وأكثرها تميّزاً في القارة الأوروبية — إلى جانب معهد فلاندرز للتكنولوجيا الحيوية (VIB).
ففي فبراير 2022، وبحضور سموّ الشيخ حامد بن زايد آل نهيان وصاحب الجلالة الملك فيليب ملك البلجيكيين، وقّعت جامعة خليفة ومعهد VIB وجامعة لوفن الكاثوليكية اتفاقيةً تاريخية لإطلاق برنامج اكتشافات العلوم الطبية الحيوية (BISDI)، بدعمٍ استثماري أوّلي قدره 10 ملايين يورو يغطّي مرحلة تأسيسية مدّتها عامان. ويهدف البرنامج إلى تطوير علاجاتٍ جديدة لمرض السكري ومضاعفاته القلبية الوعائية، عبر أدواتٍ مبتكرة لاكتشاف الأهداف الدوائية والتحقّق منها باستخدام الذكاء الاصطناعي — في أوّل برنامج تبادل ثنائي من نوعه بين دولة الإمارات ومملكة بلجيكا في مجال الرعاية الصحية، بدعمٍ من وكالة فلاندرز للاستثمار والتجارة (FIT). وتُمثّل هذه الشراكة محطّةً فارقة في تطوير أبحاث علوم الحياة الحديثة في كلا البلدين.
واستنادًا إلى هذه الركيزة، أعلنت جامعة خليفة وجامعة لوفن الكاثوليكية في يوليو 2024 عن إطلاق برنامج الدكتوراه المزدوج في العلوم والهندسة الطبية الحيوية، يقضي بموجبه طلبة كلتا الجامعتين عاماً على الأقلّ من دراساتهم في الجامعة الشريكة، لإجراء أبحاثٍ مشتركة تحت إشرافٍ علمي ثنائي من الجانبَين. وتتولّى لجنةٌ مشتركة مناقشة الأطروحات النهائية، فيما يحصل الخرّيجون على شهاداتٍ صادرة عن الجامعتَين — بما يُعزّز تنمية رأس المال البشري، والتميّز البحثي، والروابط العلمية طويلة الأمد بين دولة الإمارات ومملكة بلجيكا.
وإلى جانب هذه الشراكة المحورية، يتواصل توسّع التعاون في مجالات التعليم والبحث العلمي عبر شبكةٍ متنامية من الجامعات والمعاهد البحثية والمؤسسات الثقافية الإماراتية والبلجيكية، بما يُرسّخ صلاتٍ دائمة بين الطلبة والباحثين والمؤسسات في كلا البلدين.
