العلاقات الإماراتية-الفنلندية

تربط دولة الإمارات العربية المتحدة وجمهورية فنلندا علاقات ثنائية راسخة ومتنامية، تعود بداياتها إلى عام 1972، فيما أُقيمت العلاقات الدبلوماسية الرسمية بين البلدين في عام 1975، شهدت العلاقات تطورًا كبيرًا لاسيما في مجالات الاقتصاد والاستثمار والطاقة والتعليم والدفاع والبيئة والتكنولوجيا والتطوير الحكومي، إلى جانب الدبلوماسية وبناء السلام وغيرها من المجالات ذات الاهتمام المشترك.

وتستند العلاقات الإماراتية–الفنلندية إلى إطار قانوني ومؤسسي واسع تطور على مدى العقود الماضية، بدءًا من اتفاقية التعاون الاقتصادي والصناعي والفني الموقعة عام 1982، مرورًا باتفاقيتي تجنب الازدواج الضريبي وتشجيع وحماية الاستثمارات المتبادلة في عام 1996، وصولًا إلى مذكرات واتفاقيات شملت التعاون في مجالات الدفاع عام 2007، والإعفاء من متطلبات تأشيرة الدخول لحاملي جوازات السفر الدبلوماسية والخاصة عام 2009، ومكافحة غسل الأموال عام 2010، والبيئة والخدمات الجوية عام 2013، وتبادل المعلومات المتعلقة بالمسائل الضريبية والتعلم الذكي عام 2016، والتدريب والتعاون في مجال حوادث الطيران عام 2017.

واتسع نطاق هذا الإطار خلال السنوات اللاحقة ليشمل التعليم العالي والمشاورات السياسية في عام 2021، والطاقة في عام 2022، إلى جانب التعاون في مجالات الدبلوماسية وبناء السلام وتبادل المعرفة في عام 2023، من خلال مذكرتي تفاهم بين أكاديمية أنور قرقاش الدبلوماسية وكل من مؤسسة «سي إم آي – مارتي أهتيساري للسلام» ومنظمة «المعونة الكنسية الفنلندية».
وعلى المستوى المؤسسي، شكّل انعقاد الاجتماع الأول للجنة المشتركة بين وزارة الخارجية في دولة الإمارات ووزارة الخارجية الفنلندية في 27 يناير 2021 محطة مهمة في تنظيم مسارات التعاون بين البلدين، فيما عُقد الاجتماع الأول

للمشاورات السياسية بين وزارتي الخارجية في 17 نوفمبر 2022، بما عزز الحوار والتنسيق بشأن القضايا الثنائية والإقليمية والدولية ذات الاهتمام المشترك. وفي نوفمبر 2024، عُقدت في هلسنكي الدورة الثانية للجنة المشتركة الإماراتية–الفنلندية، بالتزامن مع بعثة تجارية إماراتية إلى فنلندا، بما أسهم في توسيع مجالات الشراكة الاقتصادية والتجارية والاستثمارية.

كما امتد التنسيق بين البلدين إلى مجالات الحوار السياسي والدبلوماسي، حيث عقدت المجموعة التوجيهية لمنتدى هلسنكي للسياسات اجتماعًا في أبوظبي في ديسمبر 2024، بحضور معالي لانا زكي نسيبة، مساعدة وزير الخارجية للشؤون السياسية، بما يعكس تنامي التواصل بين المؤسسات المعنية بالسياسة والدبلوماسية وبناء السلام في البلدين.

وفي عام 2025، اكتسبت العلاقات الثنائية زخمًا إضافيًا بالتزامن مع احتفال دولة الإمارات وجمهورية فنلندا بمرور خمسين عامًا على إقامة العلاقات الدبلوماسية بينهما، حيث شهد العام عددًا من الزيارات رفيعة المستوى والفعاليات الثقافية والمبادرات المشتركة. كما تعزز الإطار المؤسسي بتوقيع مذكرة تفاهم لتبادل الخبرات في مجالات التطوير والتحديث الحكومي بين دولة الإمارات ووزارة المالية الفنلندية، ومذكرة تفاهم بين حكومة رأس الخيمة ومنطقة لاهتي لتعزيز تبادل المعرفة والابتكار في مجالات الاقتصاد الدائري والمواد المستدامة والتقنيات الصديقة للبيئة والشركات الناشئة والبحث والتطوير وإدارة النفايات وإعادة التدوير والمباني الخضراء والبناء المستدام، إلى جانب توقيع خطاب نوايا بين وزارة الاستثمار في دولة الإمارات ووزارة الشؤون الاجتماعية والصحة الفنلندية لتعزيز التعاون الاستثماري في مجالي الرعاية الصحية وعلوم الحياة.

تتمتع دولة الإمارات العربية المتحدة وجمهورية فنلندا بعلاقات اقتصادية وتجارية متنامية، تستند إلى اهتمام مشترك بتوسيع مجالات التجارة والاستثمار والاستفادة من الفرص المتاحة في القطاعات ذات الأولوية للبلدين، ولا سيما التكنولوجيا والصناعات المتقدمة والطاقة والاستدامة والطاقة المتجددة والابتكار. وتوفّر دولة الإمارات، بما تتمتع به من موقع استراتيجي وبنية تحتية متقدمة وشبكة عالمية للنقل والخدمات اللوجستية والاتصالات، منصة مهمة للشركات الفنلندية للوصول إلى أسواق المنطقة والأسواق العالمية، وفي هذا الإطار، وقّع البلدان في مايو 2022 مذكرة تفاهم لتطوير التعاون الفني والاقتصادي في قطاع الطاقة وتعزيز النفاذ إلى الأسواق، فيما أعلنت شركة نوكيا في عام 2023 إطلاق مختبر للابتكار المفتوح في دبي بهدف دعم الابتكار الإقليمي وتسريع تبني تقنيات الذكاء الاصطناعي وتعلم الآلة في مجال أتمتة الشبكات وبلغ حجم التجارة الثنائية بين البلدين نحو 692 مليون يورو في عام 2023، لتصبح دولة الإمارات أكبر شريك لفنلندا في الصادرات والواردات على مستوى منطقة الخليج. وخلال الفترة من 2021 إلى 2023، ارتفعت الصادرات بنسبة 89%، وإعادة التصدير بنسبة 151%، والواردات بنسبة 36%، فيما نما حجم التجارة غير النفطية بنسبة 22%، بما يعكس التطور المتواصل في المبادلات التجارية بين البلدين. كما تعمل نحو 70 شركة فنلندية في دولة الإمارات، مقابل نحو ست شركات إماراتية تعمل في السوق الفنلندية.

وعلى المستوى المؤسسي، أسهم انعقاد الدورة الأولى للجنة المشتركة الإماراتية–الفنلندية في يناير 2021، والدورة الثانية في هلسنكي في نوفمبر 2024، في دعم مسارات التعاون الاقتصادي والتجاري واستكشاف فرص جديدة أمام مجتمعي الأعمال. كما اتفق الجانبان في ديسمبر 2023 على العمل على تأسيس مجلس أعمال مشترك، وعُقد الاجتماع الأول لمجلس الأعمال الإماراتي–الفنلندي في نوفمبر 2024، بما وفر منصة لتعزيز التواصل بين القطاع الخاص ودعم الشراكات التجارية والاستثمارية بين البلدين.

واكتسبت الشراكة زخمًا إضافيًا خلال عام 2025، مع مشاركة معالي بيتيري أوربو، رئيس وزراء جمهورية فنلندا، في أسبوع أبوظبي للاستدامة على رأس بعثة تجارية، إلى جانب زيارة معالي ساني غران-لاسونن، وزيرة الضمان الاجتماعي الفنلندية، إلى دولة الإمارات على رأس وفد أعمال لاستكشاف فرص الشراكة في مجالي الرعاية الصحية والابتكار. كما شاركت معالي آنا-كايسا إيكونن، وزيرة الحكم المحلي والإقليمي الفنلندية، في القمة العالمية للحكومات، فيما قاد معالي عمران شرف، مساعد وزير الخارجية لشؤون العلوم والتكنولوجيا المتقدمة، بعثتين اقتصاديتين إلى هلسنكي في أبريل وسبتمبر 2025 لاستكشاف فرص التعاون في التقنيات الحيوية والناشئة والمتقدمة.

ويدعم تطوير الربط الجوي آفاق التجارة والاستثمار والسياحة بين البلدين، حيث أعلنت "طيران الإمارات" في يناير 2026 إطلاق رحلة يومية مباشرة بين دبي وهلسنكي، على أن تبدأ الرحلات في 1 أكتوبر 2026، بما يُسهم في تسهيل حركة رجال الأعمال والمسافرين والبضائع، وتعزيز الروابط الاقتصادية والسياحية والتواصل بين الشعبين.

 

ترتبط دولة الإمارات العربية المتحدة وجمهورية فنلندا بعلاقات ثقافية ومعرفية متميزة، تقوم على تعزيز التواصل بين الشعبين وتبادل الخبرات والانفتاح على ثقافة وتقاليد كل بلد، إلى جانب الشراكة في مجالات التعليم والدبلوماسية وبناء السلام والعمل المجتمعي. وتضطلع سفارة دولة الإمارات في هلسنكي بدور فاعل في هذا المجال من خلال تنظيم الفعاليات والمبادرات التي تعرّف المجتمع الفنلندي برؤية دولة الإمارات وثقافتها وتقاليدها وطابعها العالمي المتنوع، إلى جانب دعم الزيارات المتبادلة بين المؤسسات التعليمية ومنظمات المجتمع المدني في البلدين.

كما يمتد التبادل المعرفي والمؤسسي إلى مجالات الدبلوماسية وبناء السلام، حيث وقّعت أكاديمية أنور قرقاش الدبلوماسية في أكتوبر 2023 مذكرة تفاهم مع مؤسسة "سي إم آي – مارتي أهتيساري للسلام"، لتعزيز الشراكة في مجالات الدبلوماسية وبناء السلام وتبادل المعرفة، كما وقّعت الأكاديمية في مايو 2024 مذكرة تفاهم مع منظمة "المعونة الكنسية الفنلندية"، بهدف إرساء إطار للتعاون وتبادل الخبرات بين الجانبين، فيما شكّل عام 2025 محطة بارزة في مسيرة العلاقات الثقافية بالتزامن مع الاحتفال بمرور خمسين عامًا على إقامة العلاقات الدبلوماسية بين دولة الإمارات وفنلندا، حيث نُظمت مجموعة من المبادرات والفعاليات التي سلطت الضوء على الروابط الإنسانية والثقافية بين الشعبين.

وفي مارس 2025، أُقيم حفل موسيقي إماراتي–فنلندي مشترك جمع فنانين وموسيقيين من البلدين، من بينهم فنانة الأوبرا الإماراتية فاطمة الهاشمي وعازف التشيلو الفنلندي يوسي ماكونن وعازفة البيانو نازيغ أزيزيان، بمشاركة أوركسترا مدينة لوهيا وموسيقيين إماراتيين، في تجربة فنية عكست دور الموسيقى في تعزيز التقارب والتواصل الثقافي، كما أطلقت سفارة دولة الإمارات في هلسنكي في الشهر ذاته، أطلقت "دائرة أصدقاء الإمارات"، بهدف جمع شخصيات فنلندية من مختلف الأجيال والقطاعات ممن أسهموا في تطوير العلاقات بين البلدين، والحفاظ على الروابط الإنسانية والمهنية التي تشكل جزءًا مهمًا من مسيرة الشراكة الإماراتية–الفنلندية.

وفي نفس السياق، أسهمت المبادرات الإعلامية والثقافية في التعريف بالمجتمع الفنلندي وتعزيز التواصل بين الشعبين، حيث شاركت سعادة آمنة فكري، سفيرة دولة الإمارات لدى جمهورية فنلندا، في برنامج "دروب" الذي يقدمه الإعلامي والباحث الثقافي الإماراتي علي آل سلوم على قناة دبي، وخُصصت ثلاث حلقات من البرنامج لاستكشاف الثقافة والتقاليد الفنلندية والتعريف بها من خلال المجتمع الفنلندي، فيما تُوّجت فعّاليات الذكرى الخمسين في ديسمبر 2025 بإطلاق سفارة دولة الإمارات في هلسنكي كتاب "معًا نصوغ الخمسين عامًا المقبلة"، خلال حفل الاستقبال بمناسبة عيد الاتحاد الرابع والخمسين لدولة الإمارات. ويوثق الكتاب مجموعة من القصص والتجارب الإنسانية التي تعكس تطور العلاقات بين الشعبين على مدى العقود الماضية، وتشمل تجارب طلاب وأكاديميين وفنانين ورجال أعمال ورياضيين وعائلات إماراتية–فنلندية ودبلوماسيين سابقين، بما يُبرز البعد الإنساني والمجتمعي للعلاقات الثنائية.

وامتدت مجالات الشراكة المجتمعية والمعرفية إلى قطاع صحة المرأة، حيث دعمت سفارة دولة الإمارات في مايو 2025 إطلاق "مركز صحة المرأة في فنلندا" بمدينة توركو، الذي يجمع شركات عالمية في مجالات الأدوية والتشخيص والباحثين ومؤسسات القطاع العام بهدف دعم الابتكار والتقدم في مجال صحة المرأة، بما يعكس اتساع مجالات التواصل المؤسسي والمعرفي بين البلدين.