أصحاب السمو،
أصحاب المعالي،
معالي الأمين العام،
الضيوف الكرام
يطيب لي أن أرحب بكم في هذه الجلسة الافتتاحية لمؤتمر الجامعة العربية وجزر الباسفيك فى بلدكم الإمارات ولنا عظيم الشرف بوجودكم معنا.
وإنني أرجو مخلصاً أن يكون لقاؤنا هذا بدايةً طيبة لمشوارٍ موفق من التعاون بين منطقتينا فى جميع المجالات كما أرجو أن تزداد علاقاتنا وثوقاً على كافة الأصعدة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية . ونسعى من خلال هذا المؤتمر أن نطلعكم على التحديات التى نواجهها والفرص المتاحة بمنطقتنا وأن نتعرف منكم على التحديات التى تواجهونها حتى نضع أيدينا على المقدرات والإمكانيات التى يمكن أن نسخرها لخدمة بعضنا البعض.
لقد كنت فى فبراير الماضي بمنطقة الباسفيك فى زيارةٍ رسمية قوبلت خلالها بالحفاوة وحسن الضيافة والاستقبال كما شدني كثيراً جمال تلك الجزر الآخاذة ولقد شعرت بأنه رغم المسافة الشاسعة التى تفصل منطقتينا جغرافياً فإن أوجه الشبه كثيرة جداً بيننا وأن التوافق الثقافي بين عالمينا أقوى مما تصورت.
وإنه من دواعي سروري قيام علاقاتٍ دبلوماسية رسمية بين دولة الإمارات والعديد من جزر الباسفيك منذ زيارتي للمنطقة كما أرجو أن تحذو الدول العربية الموجودة هنا بيننا حذو دولة الإمارات فى هذا الصدد وإنه ليشرفني كثيراً أن نجلس اليوم سوياً ممثلين للعالم العربي وجزر الباسفيك كلٌ يستكشف عالم الآخر ويتواصل معه.
إن العالم العربي شاسعٌ ومترامي الأطراف وغني بالموارد الطبيعية ويزخر بإمكانياتٍ هائلة وهو فى مفترق الطرق بين شرق الكرة الأرضية وغربها تلتقي فيها شبكات التواصل العالمية ويتألف من 22 دولة ويتجاوز سكانه 350 مليون نسمة. ولقد ظل العالم العربي يتمتع بأهميته الاستراتيجية ليس فقط بالنسبة للاقتصاد العالمي وما يتمتع به من مصادر للطاقة ولكن من منظورٍ أمني كذلك مما جعل هذه المنطقة موئلاً لفرص عظيمة ومستودع لتحديات جسام .
واليوم وفي مواجهة هذه الفرص والتحديات أخذ العرب يستدعون ماضيهم الغني ليشدوا أزرهم به وذلك من خلال روح التغيير والتجديد المستمدة من قناعة الجميع فى المنطقة بأنه من الممكن حصول التغيير النوعي لتحقيق أهداف بعيدة المدى. هذه التفاعلات وهذه الروح الجديدة تجسدها الإمارات العربية المتحدة فى كثيرٍ من جوانبها فالنهضة التى تمخضت عن مجتمعٍ منفتح ومتعدد المكونات ويزخر بالعرقيات والثقافات المختلفة التي تعمل يداً بيد لبناء المستقبل مبنية على روح التغيير والتجديد وبنفس الرؤية تنظر الإمارات العربية المتحدة للتحديات التى تواجه المنطقة بأسرها اليوم.
وأحد أهم هذه التحديات التى تؤرق العالم العربي وتزعجه كثيراً هو النزاع الفلسطيني الإسرائيلي ومنذ زمن مبكر ظلت الإمارات العربية المتحدة تدعو لحلٍ سلمي لهذه المشكلة، حل يتواءم مع مبادرة السلام العربية التي تسعى نحو حل تنشأ بموجبه دولتان جنباً إلى جنب ، دولة فلسطينية مستقلة ودولة إسرائيلية يتجاوران فى سلام داخل حدودهما الآمنة وذلك هو السبيل الوحيد نحو استعادة الأمن والسلام والاستقرار بالمنطقة.
ومن منطلق إيماننا بأن يزداد العالم تشابكاً كل يوم وبما أننا مجتمعات حية ومتفاعلة وغير منغلقة يجب علينا أن نمد أيدينا للآخرين بحثاً عن حلول ناجعة لمشاكل المعمورة وأن نبني لتكاملٍ أفضل. هذه الاستجابات العالمية الجماعية ضرورية حتى فى مواجهة أحد أكبر التحديات المحلية مثل ذلك التحدي الذى تواجهه دولة الإمارات والعالم العربي تماماً كما تعاني منه الكثير من دول جزر المحيط الهادي ألا وهو التحدي المتمثل فى النقص المتزايد للمياه.
إن مياه الشرب فى حالة انحسارٍ فى كل العالم وقد تنجم عن هذا الوضع كارثةٌ كبرى إذ أن شح المياه يساهم فى عرقلة التنمية حيث إنه يؤثر على انتاج الغذاء بالنسبة للانسان والحيوان كما انه سيؤثر سلبا على صحة أبناء المستقبل ويعوق نموهم الجسماني كذلك فان العديد من الأمراض المرتبطة بشح الماء ستداهم المجتمعات وقد تؤدي هذه المشكلة إلى نشوب نزاعاتٍ بين الدول بسبب المياه ورغم أن هذه المشكلة ذات طابعٍ محلي أو إقليمي فإن الحلول الناجعة لا تتأتى إلا عبر التوافق والتشاور العالمي ويجب أن يتم التصدي لهذه المشكلة عبر الحوار بين الدول التى تحس بوطأتها وعبر الاستفادة من التقنيات المتوفرة عن طريق المبادرات الاستثمارية المشتركة بين الدول وعبر التعرف على أفضل الممارسات الخاصة بترشيد استخدام مياه الشرب .
كما أن ضرورة وجود استجابةٍ عالمية لهذه المشكلة أمرٌ أساسي لأنه على الرغم من تأثر المجتمعات الفردية بندرة المياه إلا أن هذه المشكلة لديها منشأ عالمي واضح وهو التهديد العالمي لظاهرة تغير المناخ. إن ظاهرة التغير المناخي تعتبر أحد أهم التحديات العالمية التى نواجهها اليوم ولقد بذلنا جهداً مقدراً على المستوى المحلي فى تقليل الانبعاثات الكربونية وتطوير الطاقة البديلة رغم أننا دولةٌ ذات اقتصاد يعتمد بشكلٍ كبير على النفط والغاز.
وتمكنت الإمارات من تحقيق الريادة دولياً باستضافتها مقر الوكالة الدولية للطاقة المتجددة ( ايرينا ) ونحن مدينون لجزر الباسفيك التى وقفت معنا فى هذا المسعى ضاربةً خير مثال لتعاون دول الجنوب ومقدمة نموذجاً جيداً على مدى فعالية وظائف المنظمات الدولية حين توزع المنظمات الدولية توزيعاً عادلاً على الصعيد العالمي.
وستظل المنظمات الدولية مثل الأمم المتحدة والمؤسسات حديثة التكوين مثل ايرينا هدفاً لجهودنا من أجل التعاون الدولي لتحقيق التغيير ونحن كدول صغيرة في منظمات تقاسمها الكبار يتعين علينا أن نتعاون وننطلق من المصالح المشتركة بيننا عبر لقاءاتٍ كهذا ونعمل سوياً من أجل تبليغ رؤيتنا وإسماع أصواتنا للآخرين بالمؤسسات والمحافل الدولية ولقد تمثل هذا في دعمكم ومساندتكم للإمارات العربية المتحدة في استضافة مقر الوكالة الدولية لطاقة المتجددة "ايرينا".
وثمة تحدٍ عالمي آخر وهو انتشار الأسلحة النووية ومن منطلق روح التعاون الدولي أيدت الإمارات العربية المتحدة اتفاقية منع انتشار الاسلحة النووية كما وقفت دولة الإمارات مع الدول العربية المطالبة بأن يكون الشرق الأوسط منطقةً خالية من الأسلحة النووية وفي نفس الوقت فان دولة الإمارات تسعى لإنجاز برنامج للاستخدام السلمي للطاقة النووية مستغنيةً عن التخصيب المحلي لمادة اليورانيوم وإعادة معالجة الوقود النووي وهو ما اعتبر مثالاً تحتذى به للدول الراغبة في الاستفادة من الطاقة النووية للأغراض المدنية ويجنب المنطقة خطر التنافس المدمر لاقتناء السلاح النووي.
إن الدول العربية تتمتع بأكبر نسبة للفئات العمرية الشابة بين دول العالم لذلك فإن دولة الإمارات تركز على تدريب الشباب وتأهليهم للعب دورهم الريادي بالمجتمع ولقد أنفقنا بسخاءٍ شديد على التعليم باعتباره المورد الأهم بالنسبه لأي دولةٍ ناجحة ويبقى تحدي التعليم وبناء الموارد البشرية تحدياً رئيسياً لابد لنا من العمل على التعامل معه بكل جدية.
ونحن في نفس الوقت ندرك أهمية التكافل الدولي لمحاربة الفقر والتخلف بكافة بلدان العالم حتى ينعم الأطفال والشباب في جميع أنحاء العالم بفرصة التعليم ولقد ظللنا ننادي بالتزامٍ دولي قوي نحو تحقيق الأهداف الانمائية للألفية وتركزت جهودنا بشكلٍ خاص على التخفيف من حدة التمييز بين الجنس والحصول على الرعاية الصحية والقضاء على عمالة الأطفال والإتجار بالبشر.
إننا في عالمٍ يتقارب كل يوم أكثر وأكثر ..وهكذا فإن المسافات قد تم اختصارها بين بلداننا . ونحن نعتقد أن التعاون بين مناطق العالم المختلفة مثل العالم العربي وجزر الباسيفيك قد يكون قوة حاسمة من أجل التغيير واليوم نحن هنا لبحث فرص التعاون مع بلدان جزر الباسيفيك في إطار روح من التعاون بين بلدان الجنوب التي توحدنا.
وآمل صادقاً أن مشاركتنا والمداولات ستضيف حيوية جديدة وحديثة في تعزيز علاقاتنا وفي الخروج بنتائجٍ ملموسة لمصلحة الطرفين خلال العقد القادم وما تليه من عقود . وإننا سعداء بهذه الصداقات التي نشأت بيننا ونأمل أن نتعاون سوياً لإيجاد رؤيةٍ مشتركة لغدٍ مرضٍ ومشرق.
أرحب بكم مخلصاً في بلدي راجياً أن يكون اجتماعنا فاتحة خيرٍ لتعاون بنّاء بين عالمنا العربي وجزر المحيط الهادي . تعاون يصب في مصلحة الشعوب ويعزز من التعاون والتواصل.