أصحاب السموّ والمعالي والسعادة، الضيوف الكرام، حضرات السيدات والسادة، إنّه لَيسعدني أن أتواجد معكم اليوم في هذا المؤتمر، الذي نتطرّق خلاله إلى مواضيعَ هامّة حول تسهيل التوسّع في استخدام الطاقة النووية بشكل مسؤول. وأودّ بدايةً في هذا المقام أن أتقدّم بجزيل الشكر إلى حكومة الجمهوريّة الفرنسيّة واللجنة المنظمة على تكرّمهم باستضافة هذا المؤتمر الهامّ.
إن رغبة الامارات العربية المتحدة بتطوير الطاقة النووية نابعة من حاجتها إلى إيجاد مصادر إضافية للطاقة الكهربائية، تستطيع من خلالها مواكبة احتياجاتها المستقبلية المتوقعة، وتكفل عن طريقها استمرارية النموّ السريع الذي يشهده اقتصادها.
في دراسات وتحليلات أجرتها هيئات رسميّة في الامارات العربية المتحدة، تبيّن أنّ الطلب المحليّ السنويّ على الطاقة الكهربائية سوف يرتفع إلى ثلاثة أضعاف مستوياته الحاليّة بحلول عام 2020، أي ما يمثل زيادة تراكمية قدرها 9% سنوياً بدءاً من عام 2007. وفي أثناء تقييمنا للخيارات المختلفة المتاحة لتلبية هذا الطلب المتزايد، برزت الطاقة النووية كوسيلة ذات جدارة مثبتة، وذات مواصفات بيئية واعدة، وذات جدوى تجاريّة منافسة، مما يجعلها خياراً قادراً على المساهمة بشكل ملموس في دعم اقتصاد الامارات العربية المتحدة وتوفير أمن الطاقة لها.
والجدير بالذكر أيضاً في هذا السياق أن الإمارات العربية المتحدة تسعى إلى تطوير استغلالها للطاقة النووية بحيث تكون مصدراً مكمّلاً، يضاف إلى باقة أخرى من مصادر الطاقة المتنوّعة والآمنة التي يجري العمل على تطويرها في الامارات العربية المتحدة؛ ومنها: الطاقة المتجددة، والغاز الطبيعي، وغير ذلك من المصادر التقليدية والمستحدثة على السواء.
وفي سعيها لتطوير برنامج للطاقة النوويّة، تدرك الامارات العربية المتحدة إدراكاً كاملاً أن لهذا النوع من الطاقة ظروفاً واعتبارات خاصة لا بد من مراعاتها، لا سيّما في مجالات السلامة والأمن والحدّ من الإنتشار. من هنا، فإننا نركّز تركيزاً كبيراً على المبدأ القائل بأن التوسع في استخدام الطاقة النووية ينبغي أن يتم بشكل مسؤول، يكفل نقل التكنولوجيا الخاصة بالطاقة النووية إلى بلدان جديدة، ولكن يستوفي في الوقت ذاته متطلبات السلامة والأمن والحدّ من الإنتشار.
تأكيداً لالتزاماتها في هذا الصدد، قامت حكومة الإمارات العربية المتحدة بشكل رسميّ في شهر أبريل من عام 2008 بتبنّي وثيقة حملت عنوان السياسة المتبعة في تقييم جدوى الطاقة النووية وإمكانيات استغلالها في المجالات السلميّة . في هذه الوثيقة، حدّدت الحكومة إطار العمل الذي تعتزم اتباعه في تطوير برنامج محليّ للطاقة النووية، وعبّرت عن التزاماتها واستراتيجياتها ومبادئها في هذا المجال. وترتكز الوثيقة إلى ركائز أساسية عدة، من أبرزها الشفافية التامة في التشغيل والعمليات، واتباع أعلى المعايير في مسائل السلامة والأمن والحدّ من الإنتشار. وما من دليل على التزام دولة الإمارات بهذا البند الأخير، أي الحدّ من الإنتشار، أبلغ من تخليها بشكل طوعيّ عن القيام بعمليات تخصيب الوقود النووي وإعادة تنضيبه.
أمّا عن التزام دولة الإمارات باتباع أعلى معايير السلامة، فإنّه يتجلى في قيامها بتطوير هيكلية تشريعية ومؤسساتية متكاملة للإشراف على برنامج الطاقة النووية. من الأمثلة على ذلك، إقدام الدولة مؤخراً على سنّ قانون متكامل للطاقة النووية، وقيامها بإنشاء سلطة مستقلة لتنظيم الأمور المتعلقة بالسلامة النووية، تتبنى في الإضطلاع بمهامّها أعلى المعايير وأفضل الممارسات الدولية.
بموازاة مساعيها على المستوى المحليّ، اتخذت الإمارات العربية المتحدة العديد من الخطوات للوفاء بالتزاماتها تجاه مسائل السلامة والأمن والحدّ من الإنتشار على المستوى الدوليّ، وذلك بموجب السياسات التي أعلنت عن تبنّيها. من تلك الخطوات على سبيل المثال إقدام الدولة على توقيع البروتوكول الإضافيّ الملحق باتفاقية الضمانات الخاصة بضغط الطاقة النووية، وكذلك انضمام الإمارات العربية المتحدة إلى معاهدة السلامة النووية .
في ديسمبر من عام 2009 الماضي، أقدمت الإمارات العربية المتحدة على خطوة تاريخيّة. فممثلةً بمؤسسة الإمارات للطاقة النووية، قامت الدولة بمنح عقد إلى إئتلاف من الشركات الكوريّة، كلفتها بموجبه إنشاء أربع محطات نووية في دولة الإمارات، من المتوقع أن يبدأ تشغيل الأولى منها في عام 2017. وفي سابقة تعدّ الأولى من نوعها تاريخياً، اشتمل العقد على توصيف كامل لثلاث مراحل، لم تقتصر على التصميم والتنفيذ، بل واشتملت أيضاً على مرحلة التشغيل، بحيث يتم تشغيل المحطات بصورة مشتركة بعد إنجازها. وأودّ هنا التنويه إلى أهميّة هذه الجزئية من العقد، فهي تمثّل المرة الأولى التي يشتمل فيها عقد من هذا النوع على مسؤوليات التشغيل طوال العمر الإفتراضيّ للمحطات المزمع إقامتها.
أمّا وقد جئنا على ذكر عمليات التشغيل للمحطات النووية، فإنني أودّ تسليط الضوء على أحد أبرز التحديات التي تعيق التوسّع في استخدام هذا النوع من الطاقة في زماننا الحاضر، وهو التحدي المتمثل في الموارد البشرية.
انطلاقاً من إدراكها لما تمثله مسألة الكوادر البشريّة المؤهلة من تحديات صعبة، فإن الإمارات العربية المتحدة، ومنذ مستهلّ مساعيها الخاصة ببرنامجها النووي، بذلت جهوداً مكثفة ووضعت خططاً مفصّلة هدفها تطوير الكوادر البشريّة اللازمة لمثل هذا المشروع. وقد تبنت دولة الإمارات في هذا الصدد استراتيجية متعددة الأركان، جعلت ضمن أهدافها ما يلي: توفير حصيلة مستدامة من الكوادر المؤهلة لإمداد الامارات العربية المتحدة بما يلزم من المواهب لدعم خططها الخاصة بتطوير وتشغيل القطاع النووي؛ استحداث منظومة تعليميّة مستدامة قادرة على إمداد القطاع بشكل متواصل بالكوادر التي يحتاجها؛ استحداث برامج مستدامة للتدريب في المجالات المتعلقة بالتكنولوجيا النووية، توفر للعاملين في هذا القطاع الخبرات والمعارف، وتهيئ لهم مقوّمات إجراء الأبحاث والدراسات على المدى الطويل.
لتحقيق هذه الأهداف، وُضِعت موضع التنفيذ خطط قصيرة ومتوسطة وبعيدة المدى، ترتبط ارتباطاً وثيقاً بمراحل تنفيذ المحطات النووية المزمع إقامتها في الإمارات العربية المتحدة. وتتماشى الخطط المذكورة مع الرؤية التي تتبناها الإمارات العربية المتحدة، والتي تسعى إلى أن تكون غالبية العاملين في هذا القطاع من رعايا الإمارات العربية المتحدة.
هنا، تبرز أهمية التعاون الدولي في تطوير قطاع الإستخدام السلميّ للطاقة النووية. فمثل هذا التعاون يحظى بأهميّة جوهرية، ويلعب دوراً أساسياً في تسهيل عملية نقل التكنولوجيا بالشكل الذي يكفل التوسّع في استخدام الطاقة النووية عالمياً وبشكل مسؤول. إدراكاً لضرورة وجود مثل هذا التعاون، فإن الإمارات العربية المتحدة تعتبر أنّه من الأهميّة بمكان أن تقوم دول العالم بصياغة إطار عمل فعال للتعاون في ما بينها.
فمع وجود إطار عمل من هذا النوع، يمكن تعزيز الجهود الرامية إلى إقامة البنية التحتية اللازمة للتوسّع في استخدام الطاقة النووية سلمياً، ويمكن إضفاء السهولة على عملية تبادل المعارف والخبرات التشغيلية الخاصة بالقطاع النوويّ. كنموذج على ذلك، فإن الإمارات العربية المتحدة قامت فعلاً بإبرام العديد من الإتفاقيات الثنائية مع عدة دول تملك الخبرة والدراية في هذا المجال.
في إطار التعاون الدوليّ المنشود، تضطلع الدول المورّدة للطاقة النوويّة بدور هامّ ورئيسيّ، يتمثل في مساعدة الدول المستجدّة على هذا القطاع وتقديم المعونة الفنية لها. وللقيام بذلك الدور وتقديم المساعدة اللازمة على النحو الأمثل، فإنه لا بد من وجود إطار عمل فعّال للتعاون بين الدول. ولا بدّ لي في هذا السياق أن أنوّه بالخطوات الرائدة التي أقدمت عليها بها بعض الدول مثل فرنسا، حين قامت بإنشاء كيانات متخصصة للتعاون الدوليّ في مجال الطاقة النووية، تعمل على مساعدة البلدان الطامحة إلى استحداث برامج سلميّة للطاقة النوويّة.
وأودّ في هذا السياق أيضاً أن أنوّه بالدور المحوريّ الذي تلعبه الوكالة الدولية للطاقة الذريّة ، سواء لجهة دعمها للمساعي الرامية إلى صياغة إطار عمل للتعاون النووي الدوليّ، أو لجهة دعمها للدول الراغبة باستحداث برامج للطاقة النووية، إذ توفر الوكالة لمثل هذه الدول ما يلزمها من المشورة والدعم الفنيّ لتطبيق المعايير والتوصيات المعمول بها لديها.
في الختام، أودّ التشديد على أهميّة التعاطي مع مسألة الطاقة النووية من منظور الإستدامة على المدى الطويل. ففي أيّ برنامج للطاقة النوويّة، لا بدّ من التركيز على هذا المبدأ، وتفعيله من خلال تبني خطط واستراتيجيات بعيدة المدى، تكفل إمداد قطاع الطاقة النووية بما يلزمه من الموارد طوال دورته التشغيلية وخلال جميع مراحلها.
بقدر ما تفخر بكونها كونها سبّاقة إلى تبني مثل هذه السياسات والخطوات الرائدة، فإن الإمارات العربية المتحدة تأمل أن تكون نموذجاً يحتذى به في المحافل الدولية. فنحن نرجو أن تكون تجربتنا نموذجاً تسير على نهجه الدول الأخرى الراغبة في استخدام الطاقة النووية بشكل سلميّ، فتسترشد به في تقييم جدوى استحداث برامج نووية في بلادها، ثم تسترشد به في كسب ثقة المجتمع الدوليّ والحصول على دعمه الكامل، تماماً كما فعلت الإمارات العربيّة المتحدة.